محمد بن جرير الطبري

237

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

وقد اختلف أهل العربية في وجه دخول على في قوله : على الآخرة فكان بعض نحويي البصرة يقول : أوصل الفعل ب على ، كما قيل : ضربوه في السيف ، يريد بالسيف ، وذلك أن هذه الحروف يوصل بها كلها وتحذف ، نحو قول العرب : نزلت زيدا ، ومررت زيدا ، يريدون : مررت به ، ونزلت عليه . وقال بعضهم : إنما أدخل ذلك ، لان الفعل يؤدي عن معناه من الأفعال ، ففي قوله : يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ولذلك أدخلت على . وقد بينت هذا ونظائره في غير موضع من الكتاب بما أغنى عن الإعادة . القول في تأويل قوله تعالى : ( وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم ) يقول تعالى ذكره : وما أرسلنا إلى أمة من الأمم يا محمد من قبلك ومن قبل قومك رسولا إلا بلسان الأمة التي أرسلناه إليها ولغتهم ، ليبين لهم يقول : ليفهمهم ما أرسله الله به إليهم من أمره ونهيه ، ليثبت حجة الله عليهم ، ثم التوفيق والخذلان بيد الله ، فيخذل عن قبول ما أتاه به رسوله من عنده من شاء منهم ، ويوفق لقبوله من شاء ولذلك رفع فيضل ، لأنه أريد به الابتداء لا العطف على ما قبله ، كما قيل : لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء وهو العزيز الذي لا يمتنع مما أراده من ضلال أو هداية من أراد ذلك به ، والحكيم في توفيقه للايمان من وفقه له وهدايته له من هداه إليه ، وفي إضلاله من أضل عنه ، وفي غير ذلك من تدبيره . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه : أي بلغة قومه ما كانت ، قال الله عز وجل : ليبين لهم الذي أرسل إليهم ليتخذ بذلك الحجة ، قال الله عز وجل : فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم . القول في تأويل قوله تعالى :